لم يحصر بن أفليك طموحه في الأدوار السينمائية التي صنعت شهرته، ولا في الإخراج والكتابة والإنتاج، بل اتجه إلى عالم التكنولوجيا مدفوعاً بفضول قديم تجاه الحواسيب وتطوّر أدوات صناعة الأفلام.
وفي مسار قد لا يتوقعه كثيرون من نجم هوليوودي، انتقل أفليك من الوقوف أمام الكاميرا وخلفها إلى تأسيس شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، قبل أن تستحوذ عليها نتفليكس وتضمّه إلى فريقها بصفة مستشار أول.
اهتمام مبكر بالتكنولوجيا
بدأ اهتمام أفليك بالتكنولوجيا قبل سنوات، وتعمّق مع انتقال صناعة السينما من التصوير التقليدي إلى التقنيات الرقمية، ولا سيما في مجال المؤثرات البصرية. ومع تطوّر أدوات التعلّم الآلي، أخذ يتابع إمكاناتها وتأثيرها في مراحل الإنتاج السينمائي، وصولاً إلى استكشاف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وفي مقابلة مع مجلة GQ نُشرت في أكتوبر 2026، كشف أفليك عن جانب تقني من تجربته، متحدثاً عن معرفته بلغة البرمجة Python، والشبكات العصبية، ومعالجات الرسوميات، وآليات تدريب النماذج على تحليل الصور والفيديو. كما روى كيف زار مختبرات تكنولوجية، من بينها مختبرات غوغل وOpenAI، للاطلاع على التطورات في مجال توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي.
ذكاء اصطناعي يخدم السينما
في عام 2022، أسّس أفليك شركة InterPositive، واضعاً نصب عينيه تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تستجيب للاحتياجات الفعلية لصنّاع الأفلام. وعلى خلاف الأنظمة التي تولّد مشاهد كاملة انطلاقاً من الأوامر النصية، ركّزت الشركة على تقنيات تستند إلى المواد المصوّرة خلال الإنتاج، وتساعد في معالجة مشكلات ما بعد التصوير، مثل تعديل الإضاءة، وتحسين اللقطات، وتنفيذ بعض المؤثرات البصرية.
وكانت الفكرة الأساسية أن تمنح هذه الأدوات المخرجين وفرق العمل مساحة أوسع للتحكّم في النتيجة النهائية، مع الحفاظ على خصوصية المواد التي يعملون عليها وحقوق أصحابها. وقد شدّد أفليك على أهمية أن تُطوَّر التكنولوجيا بما يحمي الإبداع الإنساني، بدلاً من انتزاع السيطرة من الفنانين الذين يصنعون العمل.
صفقة نتفليكس وفصل جديد في مسيرته
في 5 مارس 2026، أعلنت نتفليكس استحواذها على InterPositive، وضمّ فريق الشركة إلى منظومتها، مع تولّي أفليك منصب مستشار أول. ووفقاً لتقارير إعلامية استندت إلى الإفصاحات المالية للشركة، بلغت قيمة الصفقة نحو 587 مليون دولار، وهو رقم لفت الأنظار على نطاق واسع. لكن أفليك أوضح في حديثه أن الرقم المتداول لا يمثّل بالضرورة المبلغ الذي حصل عليه شخصياً، إذ لم يكن يملك
وتعتزم نتفليكس إتاحة هذه التقنيات لشركائها من صنّاع الأفلام، في إطار توجّه يهدف إلى توظيف الابتكار التكنولوجي في خدمة العملية الإبداعية. وهكذا، لم يعد دور أفليك مقتصراً على صناعة الأفلام، بل امتد إلى المساهمة في رسم ملامح الأدوات التي قد يستخدمها المخرجون والمنتجون في أعمالهم المقبلة.
بين الفن والتكنولوجيا
تكشف تجربة بن أفليك عن جانب مختلف من شخصيته المهنية؛ فهو لم يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره موجة تقنية ينبغي ملاحقتها فحسب، بل حاول فهم آلياته وحدوده، ثم البحث عن مساحة يمكن أن يلتقي فيها التطور التكنولوجي مع الخبرة السينمائية.
وفي صناعة لا تزال تناقش تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف والحقوق الإبداعية ومستقبل المهن الفنية، تبدو تجربته لافتة لأنها تنطلق من داخل هوليوود نفسها، ومن احتياجات العاملين فيها. أما انتقاله إلى موقع المستشار الأول لدى نتفليكس، فيضيف إلى مسيرته المهنية بُعداً جديداً يجمع بين خبرته في صناعة الأفلام واهتمامه بالتكنولوجيا.
إنها حكاية فنان لم يكتفِ بمواكبة التحوّلات التي تعيد تشكيل عالمه، بل اختار أن يقترب منها، ويفهمها، ويشارك في تطويرها، مؤكداً أن مسيرة المبدع قد تتسع لتشمل أكثر من مجال، حين يتحوّل الفضول إلى معرفة، والمعرفة إلى مشروع.