TRENDING
Reviews

ماثيو بيري.. الضحكة التي أخفت خلفها ركام المأساة: قراءة في وثائقي نتفليكس"The One About Matthew Perry"

ماثيو بيري.. الضحكة التي أخفت خلفها ركام المأساة: قراءة في وثائقي نتفليكس


ماثيو بيري، الوجه التلفزيوني الذي أدخل البهجة إلى ملايين البيوت حول العالم عبر شخصية «تشاندلر بينغ» في المسلسل الأسطوري «Friends»، كان يملك موهبة استثنائية في تحويل القلق والسخرية والمواقف اليومية إلى ضحكات لا تُنسى. لكن خلف سرعة البديهة والنكات التي صنعت جزءاً من ذاكرة جيل كامل، كان هناك إنسان يخوض معركة شرسة وطويلة مع الإدمان، معركة لم تستطع الشهرة ولا النجاح ولا محبة الجمهور أن تضع حداً لها.


مع عرض الوثائقي الجديد «The One About Matthew Perry» على نتفليكس، تعود الحكاية المؤلمة إلى الواجهة، لكن هذه المرة من خلال شهادات عائلته وأصدقائه والمقربين منه. عمل من ثلاثة أجزاء لا يحاول تلميع صورة الراحل أو تقديمه في هيئة بطل بلا أخطاء، بل يقترب منه بكل تناقضاته، بموهبته وكرمه وخفة ظله، كما بضعفه وانتكاساته والخيارات التي قادته إلى نهايته المأساوية.

واللافت أن الوثائقي لا يكتفي باستعادة حياة نجم محبوب، بل يطرح سؤالاً أكثر إيلاماً: كيف يمكن لإنسان امتلك كل أسباب النجاح أن يعجز عن العثور على طريق ثابت نحو النجاة؟

الإدمان.. العدو الذي لم تستطع الشهرة هزيمته

يغوص الوثائقي في تفاصيل رحلة ماثيو بيري مع الإدمان، منذ بداياته مع المسكنات بعد إصابته خلال تصوير فيلم «Fools Rush In»، وصولاً إلى سنوات طويلة من العلاج وإعادة التأهيل ومحاولات التعافي التي كانت تتعثر مع كل انتكاسة جديدة.

لا يقدم العمل الإدمان باعتباره ضعفاً في الإرادة، بل كمرض مزمن يستنزف صاحبه جسدياً ونفسياً، ويجعل الحياة سلسلة من المعارك المتكررة. ومن أكثر المحطات قسوة استعادة الأزمة الصحية التي مر بها بيري عام 2018، حين دخل في غيبوبة مرتبطة بتسمم الدم ومضاعفات استخدام المواد الأفيونية، في مشهد يكشف حجم الضرر الذي وصل إليه جسده قبل سنوات من وفاته.


ما يوجع في هذه الحكاية أن ماثيو لم يكن يجهل خطورة ما يعيشه. لقد تحدث بنفسه عن معاناته، وكتب عنها، وحاول تحويل تجربته إلى رسالة تساعد الآخرين على الخروج من الدائرة نفسها. لكن المعرفة بالألم لا تعني بالضرورة القدرة على تجاوزه، وهذه واحدة من أكثر الحقائق قسوة التي يضعها الوثائقي أمام المشاهد.

شهادة العائلة.. الوجه الذي لم يعرفه جمهور Friends

من أبرز عناصر الوثائقي حضور شقيقته غير الشقيقة ميا بيري بويك، التي تتحدث أمام الكاميرا للمرة الأولى عن شقيقها، مستعيدة تفاصيل علاقة عائلية لم تكن الشهرة جزءاً من ملامحها الأساسية.

شهادتها تمنح العمل بعداً إنسانياً مختلفاً؛ فهي لا تتحدث عن تشاندلر الذي عرفه الجمهور، بل عن ماثيو الذي أحبته العائلة، وعن صعوبة مشاهدة شخص قريب يغرق في الإدمان، وعن الأمل الذي يتجدد مع كل محاولة تعافٍ قبل أن تصدمه انتكاسة جديدة.

إلى جانبها، يستعيد أصدقاء رافقوه منذ سنواته الأولى في لوس أنجلوس تفاصيل رجل عرفوه قبل أن يصبح نجماً عالمياً. وتبرز قيمة هذه الشهادات في أنها تعيد ماثيو إلى حجمه الإنساني، بعيداً عن اختزاله في صورة الممثل الذي عاش طويلاً داخل شخصية تلفزيونية محبوبة.

تشاندلر بينغ وماثيو بيري.. شخصيتان في حياة واحدة

ما يميز الوثائقي قدرته على خلق توازن مؤثر بين عبقرية الكوميديا التي امتلكها بيري، والظلمة التي عاشها بعيداً عن الكاميرات. فمن خلال مشاهد أرشيفية من طفولته، ولقطات من بداياته الفنية، ومقاطع من «Friends»، نكتشف مجدداً موهبة لم تكن عادية، وحضوراً كوميدياً تجاوز حدود النص المكتوب.

ومن التفاصيل الجميلة التي يتوقف عندها العمل أن بعض العبارات الشهيرة التي ارتبطت بشخصية تشاندلر كانت من ابتكار ماثيو نفسه، بما فيها طريقته الأيقونية في صياغة الأسئلة الساخرة.

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تبقى في المسافة الشاسعة بين الضحكة التي منحها للعالم، والألم الذي لم يتمكن من إخفائه عن نفسه. فكلما استعدنا مشاهد الكوميديا التي صنعت نجوميته، أصبح إدراكنا لمعاناته أكثر قسوة.


غياب أصدقاء Friends.. ثغرة في الحكاية

رغم غنى الشهادات العائلية والإنسانية، يترك غياب نجوم «Friends» عن المقابلات الجديدة فراغاً واضحاً في الوثائقي. فلا جنيفر أنيستون ولا كورتني كوكس ولا ديفيد شويمر ولا مات لوبلانك ولا ليزا كودرو يشاركون في شهادات مباشرة.

حين تتحول المأساة إلى رسالة إنسانية

لا يخلو الوثائقي من لحظات ثقيلة، خصوصاً عندما يصل إلى السنوات الأخيرة من حياة بيري، وصولاً إلى وفاته في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عن 54 عاماً، إثر التأثيرات الحادة لمادة الكيتامين التي أدت إلى فقدانه الوعي وغرقه في حوض المياه الساخنة في منزله.


وفي الدقائق الأخيرة، ينتقل العمل إلى تفاصيل التحقيق والمسؤوليات القانونية المرتبطة بوفاته، بما فيها دور الأشخاص الذين وفروا له المادة أو ساهموا في استمرار وصولها إليه. هذا الانتقال من الحكاية الإنسانية إلى الوقائع القانونية يبدو مفاجئاً بعض الشيء، لكنه يعيد التذكير بأن المأساة مع الإدمان، ارتبطت أيضاً بأشخاص استغلوا هشاشته ووضعه الصحي.