لم تذهب الملكة رانيا العبدالله إلى قمة «عالم شاب واحد» في كيب تاون لتلقي كلمة بروتوكولية عابرة، بل حملت إلى منصة الافتتاح خطاباً واضحاً وضع الظلم وازدواجية المعايير وحق الفلسطينيين في الحرية في صلب النقاش، داعية الشباب حول العالم إلى عدم السماح بتهميش أصواتهم أو التشكيك في مواقفهم لمجرد أنهم يرفضون الصمت.
وأمام أكثر من 2200 شاب وشابة من أكثر من 190 دولة، أكدت الملكة أن الدفاع عن الحقوق ليس انفعالاً عابراً، بل مسؤولية أخلاقية تبدأ بالوعي والمعرفة، وتحتاج إلى أدلة ومواقف واضحة ومحاسبة للمسؤولين عن الانتهاكات. واختارت أن توجه رسالتها إلى جيل يواجه تحديات عالمية متشابكة، لكنه يمتلك، كما قالت، فضولاً فكرياً وقدرة على التدقيق والتفكير بعمق.
«الغضب من الظلم ليس ضعفاً»
من أبرز ما حملته كلمة الملكة رانيا رفضها التقليل من مواقف الشباب أو التشكيك في دوافعهم، خصوصاً أولئك الذين يشاركون في الاحتجاجات الطلابية المناصرة لفلسطين. وانتقدت محاولات إسكاتهم عبر التشكيك في معرفتهم بالقضية، معتبرة أن الغضب من الظلم ليس نقيضاً للعقلانية، بل دليل على الوعي والاهتمام.
واستحضرت في هذا السياق تجربة جنوب إفريقيا في مواجهة نظام الفصل العنصري، مشيرة إلى أن نيلسون مانديلا نفسه واجه محاولات التهميش والتجاهل، قبل أن يصبح رمزاً عالمياً للنضال من أجل الحرية. كما ذكّرت بموقفه الذي أكد فيه أن حرية جنوب إفريقيا لا تكتمل من دون حرية الفلسطينيين.
فلسطين وازدواجية المعايير
احتلت فلسطين مساحة أساسية من خطاب الملكة، التي تحدثت عن استمرار معاناة السكان في غزة، وعن الأوضاع في الضفة الغربية، حيث الحواجز العسكرية والمداهمات والاستيلاء على الأراضي وعنف المستوطنين، إلى جانب ما تشهده مدينة الخليل من إجراءات وإغلاقات أجبرت سكاناً على مغادرة منازلهم.
وانتقدت ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الانتهاكات، مشيرة إلى أن تجاهل بعض الدول لهذه الممارسات أو التقليل من خطورتها أصبح جزءاً من سياساتها الخارجية. كما أشادت بموقف جنوب إفريقيا في اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وفي واحدة من أكثر لحظات خطابها وضوحاً، شددت على أن القانون الدولي ليس مسألة وجهات نظر، وأن حماية المدنيين وإيصال الغذاء والماء والدواء إليهم ليست التزامات اختيارية. ثم وجهت إلى الشباب عبارة تختصر جوهر رسالتها: «لستم بحاجة إلى معرفة الإحداثيات الجغرافية لمستشفى ما لتدركوا أنه لا يجوز قصفه».
### «انظروا إلى التقارير، لا إلى المقاطع فقط»
لم تكتفِ الملكة بدعوة الشباب إلى التعبير عن مواقفهم، بل وضعت أمامهم مسؤولية التحقق من المعلومات وتعزيز آرائهم بالأدلة. وحثتهم على عدم الاكتفاء بالمحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل العودة إلى التقارير ومصادر المعلومات والأرقام الموثوقة، مؤكدة أن الأدلة هي السلاح الأقوى في مواجهة الإنكار والتشكيك.
وفي ختام كلمتها، دعت إلى مواصلة التضامن مع الشعب الفلسطيني وعدم التخلي عن حقه في الحرية، معربة عن أملها بأن يأتي يوم يصبح فيه نضاله من أجل الحرية جزءاً من التاريخ، في فلسطين حرة.
### قمة تستحضر ذاكرة النضال
وتكتسب مشاركة الملكة رانيا هذا العام دلالة إضافية، إذ تستضيف كيب تاون قمة «One Young World» بين 3 و6 نوفمبر، بمشاركة قادة شباب من مختلف أنحاء العالم، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لانتفاضة سويتو عام 1976، التي شكلت محطة مفصلية في نضال جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري.
وخلال وجودها في المدينة، زارت الملكة مؤسسة ديزموند وليا توتو الإرثية، والتقت غراسا ماشيل، أرملة نيلسون مانديلا والمدافعة عن حقوق النساء والأطفال، كما التقت البروفيسور محمد يونس الحائز جائزة نوبل للسلام.
من كيب تاون، اختارت الملكة رانيا أن تضع أمام جيل جديد سؤالاً يتجاوز حدود السياسة: ماذا يعني أن نرى الظلم ونعرف حقيقته ثم نختار الصمت؟ رسالة لا تكتفي بالدعوة إلى التعاطف، بل تطالب بالوعي والموقف والمساءلة، وتعيد التذكير بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ باختلاف هويته أو دينه أو مكان وجوده.