TRENDING
وائل كفوري يغنى الصعوبة بين نعومة اللحن وفجاجة العبارة … قراءة في


لا يوجد أفضل من صوت وائل كفوري ليكون وعدًا لموسم الأحداث الدرامية.

"شو ناطر" تيتر المسلسل الموعود "بالحرام" خلال شهر رمضان 2026. صوت وائل الرخيم الهادئ، والموسيقى الحزينة، والكلمات التي تأتي من فجٍّ عميق، ترسم مع أبطال المسلسل حكاية أشرار على شكل مهرجين.

نجوم الأحداث المتجهمون بوجوه غريبة، حبال تُلوى حول الأعناق، وأجساد تتلوى فوقها، ونيران تُشعلها كفتيل يهدد المكان المشبوه.


اغنية الذات برسم الجميع

يأتي صوت وائل بكلمات أغنية "شو ناطر" لينبئ بأن مسلسلًا من الغدر والجبن والجرح قادم ليمتثل أمامنا، مع أبطال وجوههم أشبه بمهرجين وحركاتهم أقرب إلى فصول من عهر.

وصوت وائل الحزين ينضح بنفض الغبار: "ما تهزك خسارة حدا، شوية غبرة ونفّضا، في ناس الله بيبعدا حتى الصح يفرجيني".

لم يغنِّ وائل في هذا التيتر للجميع، بل غنّى لنفسه، رسم حدوده مع الحياة والخيبة، بتلك النبرة التي يتقنها وائل: صوت الحزن والهدوء، لكنه مشحون بانكسار خفيّ.

رسم فصول الغدر مع القريب والصديق قبل البعيد، وكأن به يرسم ملامح العمل وملحمة الدراما القادمة، حيث الخذلان سيكون سيدًا: "ما تصدّق غريب بيئذي، الأذى بيجي من القراب، عدوّك كرهو واضح، مش متل الأصحاب."

كلمات مشحونة ولحن عذب

كلمات مشحونة بالخيبة والقسوة والدروس، أما اللحن فجاء ساكنًا، أكثر هدوءًا وسلامًا، أوسع فضاءً. أبدع صلاح الكردي عندما لحّن هذه الكلمات الجافة وجعلها رقيقة تُغنّى دون نفور ودون ضوضاء، فقط صوت يهدر بالوجع المبرّى، وموسيقى تذكرنا بملاحم غنّاها وائل مثل "بالغرام" و"تبكي الطيور".

تفوق اللحن على الكلمة؛ اللحن ساكن مشحون وعذب، وصوت وائل يهذّب حوافي الكلمات القاسية ليجعلها أرقّ وقابلة للغناء والطرب.


بين الصلابة والطراوة وائل غنى الصعوبة

النص في "شو ناطر" لا يسير بخفة الشعر، بل بثقل العظة. عبارات مباشرة، تقريرية، تشبه مقالًا عن الخيبة أكثر مما تشبه قصيدة تنبض بالإحساس.

حتى صوت وائل كفوري، المعروف بقدرته على تليين أكثر الكلمات حدّة، لم ينجح تمامًا في تهذيب فجاجة بعض الجمل. هناك قسوة ظاهرة في العبارة، لا تُخففها الموسيقى مهما كانت ناعمة.

"شفت الماضي و شعورو

رح شيلو من جذورو

وامنع ذاكرتي تزورو

او حدا يذكرني في"

اللحن جاء هادئًا، رقيقًا، شبه متأمل… لكن الكلمات تمشي في اتجاه آخر؛ أكثر صلابة، أكثر مباشرة، أقل شاعرية. وهنا يظهر نوع من عدم الانسجام الخفي بين النص والموسيقى، كأن كل عنصر ينتمي إلى مزاج مختلف.

هذه الأغنية لا تفتقد الصدق، لكنها تفتقد الشعر.أغنية تقول الحقيقة بوضوح، لكنها لا تترك مساحة للغموض الجميل الذي يجعل المستمع يشعر ثم يفهم.

ربما لهذا السبب تبدو "شو ناطر" أقرب إلى حكاية عن الخذلان منها إلى مرثية وجدانية له.

لكن صوت وائل الذي يخترق اكثر النصوص فجاجة قادر أن ينزلق بأمان وطرب وهو في اغنية "شو ناطر" يغنّي نصاً من أصعبها واستطاع أن يجسده كما يفعل دوماً ويبني منطقته الآمنة التي نعرفها جيداً فغنى الرجولة الحزينة، الكبرياء المجروح، والطيبة التي تُدفع ثمنًا.

تبقى أغنية "شو ناطر" تجربة درامية تحاول أن تقول الكثير في مساحة قصيرة. قد لا تكون من أكثر الأعمال شاعرية في مسيرة وائل كفوري، لكنها تكشف جانبًا مختلفًا من حضوره؛ جانبًا أكثر مباشرة وأقل مواربة.

ربما كان الرهان على الحكمة بدل الصورة، وعلى الرسالة بدل الإحساس. غير أن صوت وائل، رغم كل شيء، يظل قادرًا على حمل النص إلى مساحة أدفأ مما هو مكتوب.